كنت جاسوساً

قصص

بقلمممدوح حمادة

سجن القطعة

سجن القطعة لم يكن ذلك السجن القاسي حيث يندر أن تحصل عمليات تعذيب، وفي معظم الأحيان يتمكن المساجين من الحركة والخروج لساعات، وأحياناً يسمح السجان لبعض المساجين بالمبيت في مهاجعهم. أنا أيضاً لم أتعرض للتعذيب أو الإساءة في هذا السجن، ولكن كانت هناك توصية من الأعلى بالتشديد عليّ وعدم السماح لي بمغادرة السجن تحت أي ذريعة، حتى للسخرة مع بقية المساجين. ذلك أنني ارتكبت جريمة لا تُغتفر من وجهة نظر قائد القطعة، حين أسأت إلى رتبة أعلى متمثلة بالنقيب مصطفى، الذي شتمته في حقل الرمي ورميته بـ (علامة الثغرة)، وهي عبارة عن سهم حديدي مثبت على رأس قضيب حديدي، إثر مشادة بيني وبينه بعد أن حاول إهانتي والإساءة إليّ. سقطت علامة الثغرة فوق كابين السيارة (زيل 57) التي صعد إليها وغادر فوراً بشكل عاجل، خشية أن يتطور الأمر إلى أكثر من ذلك، كوني كنت أحمل بندقية على كتفي وفي جعبتي ثلاثة مخازن من الرصاص إضافة إلى المخزن الذي في البندقية. استقللت السيارة التالية وتوجهنا إلى المعسكر، وكنت قد هدأت وندمت على ما فعلت لمعرفتي بمضاعفات الحادثة التي قد تودي بي إلى سجن تدمر في حال تسنى للنقيب مصطفى أن يضخّم الموضوع.

عند باب المعسكر وجدت الشرطة العسكرية في انتظاري، فأنزلوني من السيارة واقتادوني إلى السجن بناءً على بطاقة زج (حتى إشعار آخر) صدرت بحقي من قِبل العميد قائد القطعة.

لم تكن هناك أحداث تستحق التوقف عندها في السجن، بل على العكس كانت الإقامة أشبه ما تكون باستراحة جميلة، لولا الروائح الكريهة الصادرة عن الأجساد التي لم تستحم منذ فترة طويلة، وبطبيعة الحال رائحة الجوارب. غير أنني بعد مرور عدة أيام اعتدتُها ولم أعد أنتبه لها، وأصبحت الرائحة الطبيعية للسجن. وما كان يضفي بعض المتعة أننا كنا نلعب الشدّة طوال اليوم، وفي أحيان كثيرة حتى الصباح الباكر.

الكتاب المنسي

أمضيت ما يقارب السبعين يوماً على هذه الحال، لم أشعر خلالها بالحاجة إلى الحرية لعدم شعوري بأنني في سجن. لكن أعداد المساجين كانت مع الأيام تتناقص، لأن معظمهم كانت تنتهي مدد أحكامهم، التي كانت تتراوح بين ستة أيام وخمسة وأربعين يوماً. وهكذا في اليوم السبعين حمل آخر المساجين بطانياتهم وخرجوا، وبقيت وحدي في غرفة السجن. أحدهم إما ترك أو نسي كتاباً عتيقاً في إحدى زوايا الغرفة، تناولته فإذا هو بلا غلاف، والصفحة الأولى التي تحمل معلومات الكتاب مشقوقة لم يتبق منها سوى نصفها، وكان يحمل اسم الرواية (كنت جاسوساً)، لكن اسم المؤلف كان في الجزء المفقود في أغلب الظن. في البداية لم أجد لديّ رغبة في القراءة، ولكن في المساء شعرت بفراغ كبير وبضجر ثقيل، والصمت الذي حل فجأة أخذ يبعث في نفسي الكآبة، فوجدت ضالتي في الكتاب واعتقدت أن القراءة ستخرجني من هذه الحالة.

تدور الأحداث حول كاتب معروف اسمه أشندن، يقوم كولونيل ماكر بتجنيده في المخابرات البريطانية ويطلب منه السفر إلى جنيف، وينبهه إلى أنه في هذه المهنة إذا نجح فلن يسمع كلمات التقدير وإن فشل فلن يتلقى المساعدة، وهذا ما وافق عليه الكاتب بسرور، إذ كان ذلك يستهويه كما تبين لي. أثار الموضوع فضولي، وقلبت الصفحة لأرى ما هي المهمة التي تنتظره في جنيف، ولكنني بعدما قلبت الصفحة لم أنتقل إلى الصفحة التي تليها، وإنما قفزت ما يقارب العشرين صفحة في الكتاب، لأن الصفحات التي تلي الصفحة الأولى كانت قد شُقّت من الكتاب. من الواضح أن دوافع صاحب الكتاب لإحضاره إلى السجن لم تكن القراءة وإنما أغراض أخرى متعلقة بالنظافة. وهكذا بقيت جاهلاً بما فعله أشندن في جنيف لاحقاً.

الصفحة التالية بدأت بعبارة: "ومصطفى باشا رجل ضخم الجسم بدين في نحو الخامسة والأربعين..." من هو مصطفى باشا؟ وهل التقاه أشندن في جنيف أم هو الآن في مكان آخر؟ أسئلة أخذت تخامرني، ربما كان الفضول هو الدافع إليها، وربما محاولة عدم إعطاء الفرصة للضجر والكآبة بالتسلل إلى نفسي. فهمت من الصفحات التالية أن مصطفى رجل مصري وربما كان من الأسرة الحاكمة هناك، وأن من جمعه بهم سيدة إنكليزية عجوز تعمل مربية لأميرات مصريات، وأنهم كانوا يحاولون تجنيده للعمل مع جهاز مخابرات آخر لكنهم لم يظفروا بذلك، ثم لمّحوا لأشندن لكي ينصرف، فتوجه إلى غرفته في الفندق وسرعان ما نام لأنه كان متعباً جداً. ولكن لم تمض دقائق حتى بدأ أحدهم يقرع بابه بلا انقطاع، فنهض مسرعاً وفتح الباب ليجد مضيفة الفندق، التي أخبرته بأن السيدة الإنكليزية التي كان يسهر معها قبل قليل تحتضر وأنها تريد أن تقول له شيئاً قبل أن تموت. أسرع أشندن إلى غرفة العجوز فوجدها في الفراش وقربها الطبيب الذي أخبره أن العجوز أعربت عن رغبتها في قول شيء ما له. قلبتُ الصفحة لأرى ماذا كانت العجوز تريد أن تقول لأشندن، فصُدمت مرة أخرى، إذ قفزت ما يقارب عشر صفحات دفعة واحدة، وهكذا لم أعرف ماذا قالت له العجوز، إن كانت قد قالت، أم أنها فارقت الحياة قبل أن تقول ما كانت تريد قوله.

الثائر الهندي

قصص كثيرة أخرى رواها أشندن ولم أعرف نهاياتها، وأخرى عرفت نهاياتها دون أن أعرف بداياتها. لكن أكثر ما شدّني، ربما لتعاطفي مع الشخصية، هو قصة المحامي الهندي الذي يُعتبر واحداً من قيادات حركة التحرر الهندية التي تدعو إلى استخدام السلاح لتحرير الهند من الاحتلال الإنكليزي، والذي دفعته المصالح المشتركة مع الألمان إلى التعاون معهم، فأغدقوا عليه المال والسلاح. وكان يشكل مصدر إزعاج كبير للإنكليز، إذ كانت نشاطاته، عدا عن تعكير صفوهم في الهند، تهدف إلى إعاقة نقل قواتهم إلى جبهات الغرب من أجل دعم خطوطهم في الحرب العالمية الأولى. رُصدت جائزة كبرى للقبض عليه في الهند، ففرّ إلى أمريكا ثم إلى سويسرا ثم إلى برلين، حيث أخذ يمارس الدعاية بغرض التأثير على الجنود الهنود المقاتلين في صفوف الجيش الإنكليزي ودفعهم إلى التمرد. وبحسب ما جاء في الرواية فإن شاندرالال كان أخطر شخص على الإنكليز في الهند، وكانت مهمة القضاء على مصدر الخطر هذا تشكل أولوية بين باقي المهام، وهذا ما أوكلته المخابرات إلى أشندن، الذي لاحظ في التقرير المكتوب عن الرجل أنه حذر ولا يقوم بخطوات غير محسوبة، ومن الصعب العثور على ثغرات يمكن التسلل عبرها إليه.

تعاطفتُ مع شاندرالال، فهو في نهاية المطاف ثائر وطني ضد محتل بلده، ولم أُبالِ بالتهمة الموجهة إليه من قِبل المخابرات البريطانية بأنه جاسوس ألماني، ولم أرَ فيها إلا محاولة للإساءة إلى هذا الثائر الذي تعاون مع الألمان لأن ذلك يصب في مصلحة هدفه النهائي بتخليص بلده من الاحتلال الإنكليزي. وفرحتُ لأن أشندن لم يعثر على رأس خيط يقوده إلى شاندرالال في التقرير الذي قدّمه له الكولونيل. لكن الكولونيل قام بعد ذلك بتقديم دستة من الرسائل الغرامية التي تبادلها شاندرالال مع راقصة إيطالية تمارس الرقص الإسباني اسمها جوليا لازاري، كانت ترقص في برلين حيث تعرّف عليها شاندرالال، وتم طردها من هناك ثم اعتُقلت، وكنوع من الابتزاز اتُّهمت بأنها جاسوسة ألمانية لكي ترضخ لابتزاز المخابرات البريطانية وتتعاون معهم للقبض على شاندرالال. ترفض جوليا في البداية، لكنها تحت الضغط تقرر التعاون رغم حبها الشديد لشاندرالال.

الفخ

شدّتني قصة شاندرالال، ربما بسبب تعاطفي معه، وصرتُ أقرأ وكلي أمل ألا يكون صاحب هذا الكتاب المجهول قد ذهب إلى المرحاض قبل نهاية القصة. تعرّف أشندن على جوليا حبيبة شاندرالال واستلمها من المخابرات الفرنسية، وتوجه برفقتها إلى مدينة تونون الواقعة على الجانب الفرنسي من بحيرة جنيف. حاول أشندن أن يبني علاقة ودية مع جوليا ليتمكن من التأثير عليها أكثر، ومنحها حرية التنقل في المدينة، وذهب إلى بيت كان قد استأجره هناك، فحاولت جوليا في غيابه الهرب إلى لوزان في سويسرا، وهي المدينة التي تقابل تونون الفرنسية على شاطئ البحيرة نفسها، لكن الشرطة الفرنسية المكلفة بمراقبتها أجبرتها على العودة إلى الفندق. كان شاندرالال في هولندا في تلك الفترة، ولذلك كان الكولونيل قد أجبرها سابقاً على أن تكتب رسالة إلى شاندرالال تُعلمه فيها أنها لم تتمكن من الحصول على تأشيرة إلى هولندا، وتقترح عليه أن يحضر إلى مدينة لوزان حيث لا خطر عليه لأن سويسرا بلد محايد، وهو ما وافق عليه شاندرالال بكل سرور، وحضر إلى لوزان بانتظار قدوم حبيبته. والآن، مع أشندن، حان موعد تنفيذ المرحلة الأخيرة من استدراج الثائر العاشق إلى مدينة تونون، حيث تنتظره المخابرات الإنكليزية على أحرّ من الجمر. أجبر أشندن جوليا على كتابة رسالة تُعلم فيها شاندرالال بأنها لم تتمكن من الحصول على تأشيرة إلى سويسرا وتطلب منه القدوم إلى تونون، وأكدت له أنها بلدة آمنة ولا يوجد فيها أي خطر. أُرسلت الرسالة، وتلقت جوليا الرد برفض شاندرالال للاقتراح لأنه مغامرة خطرة جداً. تنفست جوليا الصعداء، وأنا في الحقيقة تنفستُ الصعداء أيضاً لأنني لم أكن أرغب في أن يقع هذا الثائر في أيدي المخابرات البريطانية أو غيرها. كنت أتخيل كمية الإذلال التي سيتعرض لها لو حصل ذلك، الإذلال الذي ستذيقه إياه المخابرات التي ستنهي له كل آماله وربما حياته. ومن خلال كلمات أشندن عنه كان الازدراء واضحاً له، وحتى لشكله الخارجي، وبالتالي للهنود عامة، ولنا أن نتخيل ما الذي سيحل به بعد أن يقع في براثن المخابرات البريطانية. شعرتُ نحوه بالشفقة، لدرجة الخذلان التي كان سيصاب بها حين يعلم أن حبيبته التي يهيم بها كانت شريكاً في مؤامرة استدراجه وكانت الطُّعم لذلك. لكن شكراً للسماء، فقد تبين أن شاندرالال كان أذكى من أن يُستدرج بهذه الطريقة.

ولكن أشندن لم يكن ليفرح مثلي ومثل جوليا، لأن شاندرالال لم يقع في الفخ، فأصرّ عليها أن تكتب له رسالة جديدة تؤكد له فيها أن المكان آمن وأنها لم تكن لتكتب له أن يحضر لو كان لديها أي شك بأن هناك خطراً عليه. رفضت جوليا في البداية ولكنها رضخت في نهاية المطاف، وأُرسلت الرسالة، وعادت حالة القلق تسيطر على جوليا وعليّ من جديد. لكن القلق عند جوليا كان له مصدر واحد، وهو أن يصدّق شاندرالال رسالتها ويحضر. أما أنا فكان القلق عندي من مصدرين: الأول هو نفس المصدر الذي يقلق جوليا، أما الثاني فهو ألا يكون صاحب الكتاب قد ذهب لقضاء حاجته قبل معرفة مصير شاندرالال، وعلى هذا الأمل تابعتُ القراءة. أعربت جوليا عن استعدادها لأن تقدّم نفسها لصاحب الزورق إذا ساعدها في الوصول إلى لوزان، لكن صاحب الزورق أكد لها أن ذلك مستحيل. عندها كتبت جوليا رسالة لشاندرالال، طلبت منه فيها ألا يثق برسائلها وألا يفعل ما تطلبه منه في أي حال من الأحوال. مرة أخرى تنفستُ الصعداء لأن جوليا تمكنت من العثور على طريقة تخبر بها شاندرالال بعدم التفاعل مع رسائلها، حتى لو كانت قد بذلت نفسها لصاحب القارب ذاك، فحياة شاندرالال تستحق هذا الثمن، خاصة أن جوليا، والحق يقال، لم تكن عصيّة، وشاندرالال تعرّف عليها في مرقص، وهناك تلميحات في الرواية بأنها شبه عاهرة. على كل الأحوال، عندما تصل هذه الرسالة إلى شاندرالال تكون النقطة قد وُضعت في نهاية السطر، ويكون الخطر على حياة الثائر الهندي قد انتهى.

لكن فرحتنا، أنا وجوليا، كانت مبكرة، لأن القضايا التي تمسك بها أجهزة المخابرات لا تنتهي بهذه البساطة. فصاحب القارب الذي يعمل بين البلدين كان، كما تبين لاحقاً، عميلاً لجهاز الأمن الفرنسي، وسرعان ما وصلت الرسالة إلى أشندن، الذي ذهب وفاجأ جوليا بحصوله على تلك الرسالة، وطلب منها أن تكتب رسالة أخرى تطلب فيها من حبيبها الحضور، فرفضت جوليا بشدة وبشكل قاطع رغم نبرة التهديد في كلماته. أعطاها أشندن خمس دقائق لتغيّر موقفها، لكنها رفضت وأمطرته بوابل من الشتائم البذيئة. خرج أشندن بعدها وأكد لجوليا أنه سيعود. نزل إلى بهو الاستقبال وكتب رسالة طلب من ماسح الأحذية هناك أن يوصلها إلى مركز الشرطة، ثم صعد وجلس في غرفة جوليا المريضة شبه المنهارة التي كانت تتمدد في السرير ولم تلقِ بالاً لدخوله. وبعد قليل حضر عنصران من الشرطة الفرنسية كانا قد أحضراها إلى هنا، جاءا لأخذها وتسليمها مرة أخرى إلى المخابرات البريطانية حيث ستُحاكم بتهمة التجسس وتقضي بقية حياتها في السجن، فانهارت جوليا ورضخت لطلبات أشندن. ورغم تعاطفه معها وتمنياته بأن تصمد في رفضها، فإن رجل المخابرات في أشندن هو الذي انتصر على الإنسان داخله، وجعله يُملي عليها الخطاب الثاني من أجل استدراج شاندرالال. في هذه المرة جعل أشندن جوليا تخاطب شاندرالال بعبارات تطعن في رجولته وشجاعته، وهو ما يثير العاشق والثائر معاً، فبدأ الرسالة بعبارة: "لم أكن أعرف أنني أحببت جباناً رعديداً..." ثم جعلها تستعطفه بأنها مريضة وتشكك في حبه، واستخدم كل ما يمكن استخدامه لاستثارة مشاعر شاندرالال.

ذهب أشندن إلى رصيف الميناء وهو واثق بأن شاندرالال لا يمكن أن يصمد أمام هذه الاستفزازات لمشاعره، لكن شاندرالال لم يحضر كما توقع العميل، غير أنني لم أسمح لنفسي بأن أتنفس الصعداء، لأن اليأس لم يتسرب إلى نفس أشندن الذي لجأ إلى حيلة أخرى، وأرسل إلى لوزان رسولاً هو صاحب المركب لينقل له تأثر جوليا وغضبها من عدم تجاوبه معها وأنها تحزم حقائبها استعداداً للرحيل. كان هذا الكلام في الصفحة 182، وقد توقعتُ خلال الصفحتين التاليتين أن تكون القصة قد وصلت إلى خواتيمها، إما باستسلام أشندن أمام صمود الثائر الهندي أو بوقوع شاندرالال في الفخ. ولكن عندما وقعت عيني على رقم الصفحة التالية، وكان رقمها 221، أدركتُ أن صاحب الكتاب قد تصرّف بالصفحات الواقعة بينهما، فشتمته بكلمات بذيئة، وضربت الكتاب بالحائط، وركلت باب الغرفة، ولم أتمكن تلك الليلة من النوم، وأمضيتها متقلباً فوق البطانية من الجانب الأيسر إلى الجانب الأيمن، معفّراً السجائر، مفكراً في المصير الذي آل إليه شاندرالال: هل سقط في الفخ أم اكتشف المؤامرة بحسّه الثوري عبر اليقظة الثورية التي يجب أن يتحلى بها الثائر؟ وشعرتُ بحقد كبير على ذلك السافل صاحب الكتاب. ألم يجد سوى صفحات الرواية لإرضاء مؤخرته؟ خيامنا ومهاجعنا مليئة بمجلات "الجندي العربي" و"جيش الشعب" التي تملؤها مقالات وقصص وأشعار لا يقرؤها أحد. أفهم خوفه من أن يستخدم عن طريق الغلط صفحة عليها صورة القائد أو شعار ما، ولكن كان بإمكانه أن ينتقي صفحات تخلو من الصور والشعارات. الكثيرون يفعلون ذلك؛ الخنادق المنتشرة عند أطراف المعسكر مليئة بمثل هذه القصاصات التي استخدمها الجنود أثناء الكمين أو أثناء نوبات الحراسة. على كل حال، لا فائدة من هذا الكلام الآن، فقد استخدم صاحب الكتاب الصفحات وقُضي الأمر.

بعد أن هدأت نفسي قليلاً عدتُ إلى متابعة القراءة، لعل تفصيلاً ما في ما تبقى من صفحات الكتاب يحتوي على إشارة إلى مصير شاندرالال، لكنني لم أعثر على مثل هذا التفصيل، ولأنني لم أكن مهتماً إلا به فلم يعلق بذهني محتوى باقي الصفحات. وقبل خروجي من السجن بيومين أو ثلاثة رأيتُ شاندرالال في منام على شكل كابوس، رأيته محشوراً في سيارة بيجو 404 وحوله عناصر المخابرات البريطانية يكيلون له الصفعات على رقبته وهو يحاول الاحتماء، فلم يكن بمقدور مخيلتي استدعاء صورة أخرى للمخابرات. أفقتُ من نومي أتنفس هواءً ثقيلاً، وشربتُ الماء من المطرة التي معي، وتمنيتُ ألا تكون نهاية قصة شاندرالال كما رأيتها في المنام.

البحث

أول شيء فعلته عند خروجي من السجن هو البحث عن رواية عنوانها "كنت جاسوساً"، فلم أعثر عليها ولم أعثر على أحد سمع بمثل هذا العنوان. وانقضت الأيام ولم ينقضِ تفكيري بمصير شاندرالال، وإن بشكل أقل من السابق. بعد أداء الخدمة العسكرية سافرتُ إلى الاتحاد السوفييتي وكانت بي رغبة كبيرة في معرفة نهاية القصة، فقد حافظ شاندرالال على وجوده في مخيلتي، في اليقظة والمنام معاً. كل شهرين على الأقل كان اللاوعي عندي يسألني عن مصيره أو يُحضره إلى مناماتي، يبدو أن اللاوعي الذي أملكه أكثر فضولاً مني. سألتُ عن كتاب بعنوان "كنت جاسوساً" باللغة الروسية فلم أجد كتاباً بهذا العنوان، وربما لو كنت أعرف اسم الكاتب لكان الأمر أسهل. كانت هناك إشارات إلى جنسية الكاتب وهي الإنكليزية، كون أشندن عميلاً بريطانياً، لكن الكتّاب الإنكليز كُثر وأنا لست خبيراً بالأدب الإنكليزي لأتكهن. تعرفت على طلاب هنود فسألتهم عن اسم شاندرالال، هل يعرفون هذا الاسم؟ فنفى الجميع معرفتهم به، وسألتهم إن كانت لديهم معلومات عن ثائر هندي كان يحب راقصة باسم جوليا لازاري أو ما شابه، فنفى الجميع معرفتهم بذلك. كما بحثتُ في الموسوعة عن الاسم فلم أجده، وبحثتُ في المكتبة الوطنية عن اسم الكتاب فلم أعثر على عنوان مطابق، إلى أن شعرتُ باليأس من الوصول إلى نتيجة، وتركتُ شاندرالال لمصيره المجهول، ولم يتبقَّ منه في مخيلتي إلا ذكرى بعيدة كانت تداعب فضولي بين عام وآخر.

النهاية

بعد أربعين عاماً أو أكثر بقليل، وبينما كنتُ أتجول بين رفوف مكتبة جرير في الدوحة، لمع أمام عينيّ عنوان كما لو أنه البرق: يا إلهي، لقد كان بين الكتب كتاب عنوانه "كنت جاسوساً". تناولته فوراً واطلعتُ على اسم مؤلفه، وكان الكاتب الإنكليزي المعروف "سومرست موم". لقد كان عليّ أن أحدس ذلك؛ فسومرست موم كان عميلاً في المخابرات البريطانية، ولا بد أن المعلومات التي وردت في الكتاب لا يستطيع التبحر فيها إلا عميل اطلع عليها عن قرب، وهو نفسه بطل الرواية أشندن. فور عثوري على الكتاب، وقبل أن أشتريه، جلستُ على طاولة خُصصت هناك للمطالعة وبدأتُ أبحث عن الصفحة التي تمكنني من معرفة مصير الثائر الهندي شاندرالال. عثرتُ على ما يُشبع فضولي حول مصيره في الصفحة 185، حيث أخبرت الشرطة الفرنسية أشندن بأن شاندرالال قد حضر وأن رجال الشرطة قد اعتقلوه في قاعة الانتظار، إلى حيث توجه أشندن فوراً فوجد تجمعاً من الناس حول شاندرالال "ملقىً على الأرض وعيناه جاحظتان والزبد متجمع فوق شفتيه وجسده متخشب ومتقلص بصورة فظيعة. لقد فارق الحياة". تبين أن شاندرالال، عندما شعر بأنه وقع في الفخ، تناول السم من قمقم يحتوي على (سيانور البوتاسيوم) كان يحمله في يده دائماً، أما جوليا فقد أُطلق سراحها. شعرتُ بالحزن لما آل إليه مصير الثائر الهندي، لكنني فرحتُ لأنه حرم المخابرات الإنكليزية من إذلاله وتنفيذ حكم الإعدام الصادر بحقه، وأشندن شعر بالفرح لهذه النتيجة أيضاً، فرغم عمله على استدراج شاندرالال إلا أنه تعاطف معه في داخله. أما جوليا فقد كادت ترقص فرحاً عندما علمت بأنه تمكن من تناول السم، وتبين أنها كانت تعرف أنه يحمل السم معه دائماً، لكنها لم تفصح عن هذا السر سابقاً للمخابرات البريطانية لكي تسمح له بأن يموت كريماً. وهكذا انتهت قصة الثائر الهندي في مخيلتي، ولم يعد فضولي يلحّ عليّ لمعرفة النهاية، وكنتُ قد توقعتُ كل النهايات ما عدا النهاية التي جاءت في الرواية؛ توقعتُ أن يُقتل أو أن يطلق على نفسه النار، لكنني لم أتوقع النهاية بالسم.

وأخيراً، بعد أن عرفتُ المؤلف، أخذتُ أبحث بين كتبه لمعرفة عنوان الكتاب، فتبين أن عنوانه بالإنكليزية وبقية لغات العالم "أشندن أو العميل البريطاني"، إلا بالعربية فكان اسمه "كنت جاسوساً". حقاً، للمترجمين العرب ودور النشر العربية تقاليدهم البالية، رغم جاذبية العنوان الذي اختاروه للرواية.